الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

115

نفحات القرآن

إنّ هذه التعابير المختلفة : « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، أَفَلا تَعْقِلُونَ ، إنْ كُنْتُم تَعْقِلُونَ » تكشف بوضوح عن هذه الحقيقة وهي : إنّ اللَّه وهب الإنسان العقل كي يستعين بقدرته على إدراك الحقائق وفهمها ، ويستحق اللوم والتوبيخ إذا ترك الانتفاع بهذه القدرة . والآية الثانية ومن خلال اشارتها إلى آيات اللَّه في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار صرحت : إنّ إدراك هذه الآيات أمر يسير لأُولي الألباب . وكما أشرنا سابقاً ، فإنّ ( اولي الألباب ) هم العلماء الذين خلصت عقولهم من جميع ترسبات الأوهام ، فهم يدركون وقائع نظام الخلق ، ويرون جمال الخالق من خلالِ المخلوقات ، وهذا يكشف عن أهميّة العقل كطريق لمعرفة الحق جل وعلا . ج‌ج أمّا الآية الثالثة ، فبعد أن أشارت إلى خروج الإنسان من بطن امّه لا يعلم شيئاً شرحت وسائل المعرفة ، فبدأت بحاسة « السمع » الذي تُعرف علومه ب « العلوم النقلية » ، من خلال الاصغاء إلى أقوال الآخرين ، ثم ذكرت « البصر » الذي تميز به الأشياء بعد مشاهدتها ثم ختمت ب « الفؤاد » الذي تُدرك به الحقائق غير المحسوسة ، وقد قلنا سابقاً : إنّ الفؤاد هو العقل عند نضوجه ، فهو أعلى درجة من العقل . ج‌ج والآية الرابعة بعد إشارتها إلى الأقوام السالفة المقتدرة والتي أُبيدت وأهلكت بسبب ، وقد أُهلكوا لطغيانهم وفسادهم ، ولم يستطيعوا الفرار والنجاة ، قالت : « إنَّ في ذلِكَ ( في سيادتهم ثم إبادتهم ) لَذِكْرِى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ( أي عقل ) أَوْ الْقَى السَّمْعَ ( أي يصغي للنصائح ) » ! والآية الخامسة بعد الإشارة إلى إحياء الأرض الميتة وانبات الزرع فيها الذي يمثل غذاء الإنسان ودوابّه ، صرحت : إنّ هذه الأمور آيات يدركها أصحاب النهى . وكنّا قد أشرنا إلى أنَّ النهى هو العقل بما هو ناهٍ عن فعل الأفعال القبيحة . ج‌ج